الباحث الانثربولوجي الدكتور عياد ابلال: واقعة اعتداء الملثمين على طالبة اسفي يترجم الغلو الديني والاستبعاد الاجتماعي والثقافي

عياد ابلال

حينما يتحول الدين الى افيون، ويصبح التدين عملية تضبييع، يتحول المؤمن المفترض الى مقاتل باسم حدود الله التي ليست سوى حدود الدولة القاهرة التي توظف الدين في عملية صناعة الغلو من خلال تشجيع الجهل ورعاية الفوضى. ولعلنا نجد في الفصل 222من القانون الجناءي ما يفيد بتاميم الدين واخراج ابعاده التعبدية من حرية الفرد الى جبرية الجماعة مما يحول الدين الى طقوس للاكراه والجبر، فتنعدم الحرية التي على اساسها جاء الدين نفسه، فالمعتدي هنا ينوب عن الدولة التي تنوب بدورها عن الله باعتبار ان المجتمع الديني منحها عقد وكالة بموجبه تدافع عن حدود الله، التي يتوهم المؤمن انه خلق من اجلها. انه يتوهم نفسه ومن وراءه الدولة والمجتمع الارتكاسيين، انه يدافع عن الله.
هكذا يتحول رمضان من من مناسبة روحية للتعبد الفردي الخالص الى طقوس للتعبد الجماهيري الاحتفالي بحدود الدولة واجماع العقل الجمعي في صيغه البربرية ، حيث للجنس مكانة مركزية في بنية المتخيل التي ترى كل شيء بعيون الشهوة والشبق، وهي بنية الكبث الجنسي التي تتاسس على قاعدة الستر والحجب، حيث المراة مجرد وعاء يجب ستره وتغطيته، ولذلك تصبح كل الاوعية التي توجد فيها المراة بما فيها الاماكن والفضاءات العامة مدنسة كلما ظهر فيها الرجل، ولذلك فهذه البنية الجمعية لا تتاثر بالجياع والمظلومين، لكنها تتاثر بمنظر امراة ورجل طالما ان المدونة الدينية قد جعلت ثالثهما الشيطان. حتى وان كانت هذه المراة في الفيديو طالبة باحثة قصدت المنطقة لدواعي بحثية، والرجل مجرد ساءق يقل السيدة في طريقه. ومن قبل هذا وباسبوع تم تعنيف مواطن داخل سيارته بدعوى انه ياكل دون حتى التساؤل عن رخصه هل يطيقه ام لا يطيقه تماشيا مع النص القراني وروحه…
من هنا منشا انتصار حدود الجسد الشهواني والشبقي على لا تناهي الروح، حيث ينتصر البشري على الالهي بدل انصهار الروحي في الالهي. وبدل ان يرى المؤمن ان الله يحميه يعتقد انه هو الذي يحمي الله. وبدل ان يتمثل روحيا قبل جسديا حاجته تلى الله، يتصور ان الله في حاجة الى جسده لكي يقيم الحدود دفاعا عن حقوق الله. من هنا تنقلب التصورات الوجودية عند الفرد المؤمن عن جهل فيعلق الدفاع عن حقوقه الدنيوية بالدفاع عن حقوق الله، مؤجلا سعادته وحقوقه الى الاخرة. لذلك هو لا ينتفض دفاعا عن حقوقه المستلبة في التعليم والصحة والعمل والكرامة…لكنه ينتفض كلما راى مفطرا في رمضان او امراة ورجل من غير محارمها حتى صارت المحارم نفسها في سياق هذا التعليق الديني للحقوق الدنيوية مجالا خصبا للاغتصاب الجنسي، الذي ليس سوى ظل لاغتصاب الحقوق الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والسياسية.
فحادثة اعتداء عصابة من الملثمين على طالبة وساءق سيارة “خطاف” متجها الى منطقة الهراويين باسفي، حيث وجهة الطالبة، وبغض النظر عن سبب زيارتها، فان بربرية الاعتداء وتسجيله بالصوت والصورة هو خدش كبير في وجه الدولة وهيبتها، وتهديد للامن الديني الحق الذي لا يتعارض واحترام حريات المواطنين، الذين اتفقوا وفق اوليات العقد الاجتماعي عند روسو على ان الدولة الوحيدة المحتكرة للعنف الذي لا يعني الضرب والتعنيف والتعذيب، بل يعني تطبيق القانون، ولذلك فكل خروج عن هذا العقد الذي يمثله الدستور هو ضرب في مصداقية الدولة والقانون وتشويه للدين وروحانيته، واساءة للصيام الذي لا يجزي عليه احد غير الله، مثله في ذلك التدين نفسه بعدما تبين الرشد من الغي، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولا اكراه في الدين، ومنه فلا اكراه في الصوم اذا وظفنا المنطق الارسطي. وهو ما يجب ان تخافه الدولة وليس من يطالبون بدولة ومجتمع المواطنة والمدنية. دون ذلك فان الدولة وهي ترعى بشكل او باخر سلوكات الفوضى وطقسنة الدين، وتوظيفه سياسيا بعد افراغه من قيم الحرية والعدالة الاجتماعية تكون بحق راعية للجهل المؤسس والمقدس، ومتبنية للتطرف والغلو.
ان المتطرف الذي ينتصر للاخلاق الزهدية بتعبير نيتشه لا يتاثر طيلة السنة لمنظر الاطفال والنساء المعدمين والحفاة. ولا يتاثر للمهمشين من دون ماوى. ولا يتاثر لرؤية الظلم والاغتناء الفاحش على حساب المستضعفين، لكنه يتاثر في رمضان لرؤية اي رجل وامراة في مكان ليس فيه ناس. يتاثر لرؤية من يفطر مهما كانت رخصه التي امر بها الله سبحانه جميل خلقه، ولا يتاثر طيلة الحول لرؤية الجاءع. هكذا يفصل الدين عما يستطيعه من قيم روحية ومعتقدات سامية ويصير مجرد افيون ترعاه الحكومات والدول من اجل توظيف الاخلاق الزهدية في تكريس الاستبداد ورعاية الجهل والفوضى التي تنشا باسم حماية حدود الله وتنتهي بالحق في الحياة.
ان مسؤولية الدولة فيما حصل ويحصل باستمرار من اعتداءات على المواطنين واقامة شرع الله بين قوسين الذي هو شرع الفوضى وانتهاك الحريات والاعراض والكليات الخمس كما جاء بها الاسلام وكل الاديان الوحيانية وغيرها ، هي مسؤولية لا تتجلى فقط في دورها في المقاربة الامنية. بل مسؤوليتها جسيمة في تقويضها للمدرسة والتعليم، وانهاكها واستبعادها للاسرة ولادوارها التربوية من خلال تفقيرها واختزالها في الوظيفة التناسلية فقط. ومسؤوليتها ثابتة في سياستها الدينية التي تمر عبر المؤسسات الدينية ذات الصلة و عبر اعلامها الديني، الذي يمكن القول اجمالا ان ما يحدث وسيحدث مستقبلا من فوضى هو نتاج حتمي لواقع الدولة ورعايتها للجهل والاستبعاد الاجتماعي على كافة المستويات.
ان الانسان اذا تم فصله عن قواه الفاعلة التي ليست بنهاية التحليل سوى تشذيب قواه الارتكاسية وانسنتها من شر وبؤس وبربرية من خلال فصل المؤسسات الاجتماعية والثقافية التي ترعاه بالتنشئة والتربية عن ادوارها في تحريره من حالة الطبيعة الحيوانية لن يكون استخلاصا سوى متوحش يتجول حاملا سيفه في ادغال المدينة التي يسكنها الظلام. وكل ذلك لن يتم الا عبر تحرير المجتمع والمدرسة ومؤسسات الدولة من الجهل والاستبداد.

باحث انثربولوجي

عن تازا ميديا

شاهد أيضاً

دندنة سياسية

أما سيدي عبد الرحمان اليوسفي ،فقد توصل من ملكين متميزين ،بهديتين رمزيتين ،ساعتين يدويتين،.لكن آسمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *